قصة: مصير مرأة



قصة: مصير مرأة
 


قصة مصيرامرأة
قصة: مصيرامرأة
    ظفيره ومشابك شعر ملونة وابتسامة تكاد تحكم القبضة على عين عاشقة، قوام رشيق كنخلة برية يخاصم ظلها طولها. سمار يحيه الشفق بعد الغروب تضئ فيه مصابيح البهجة ليلة الصيف جميلة كجمال عنقود عنب تدلى وبريئة كطفل حديث العهد بالدنيا يغريك فيها اسمها قبل شهد قولها هي انثى تحاكي الحريات في كل تفاصيلها ولها طبع الخيل البرية يصعب ترويضها.

اعلم اني اكثرت في الوصف ولكن هي كما وصفتها ورسمها بدقة خيالك وجملها ورد الخدود في خجلها اختر لها انت اسما واترك الرواية تنطق بحروف ابجدية نقاء روحها

هي احدى القوارير التي بتصاريف القدر وضعت على الحافة، فهل تريد ان تتقصى اثارها؟

دعني في البداية اخبرك شيء تذكر الصورة التي رسمتها اول القصة وتذكر الاسم الذي اخترت لهذه البطلة ولا تنسى انها مجرد قصة.

في صمت كانت تراقب خصلات شعرها الحريري وتقول في نفسها 

عدد شعرات رأسي بعدد التجارب الحلوة التي سأعيشها. وتضحك بغرور يغلفه الامل في الغد الأفضل

ا تعلمين قلبك ابيض كشلال في اعلى جبل كله نقاء و مفعم بالحياة 

( ترد اختها)

واو كم هو جميل وصفك يا اختي

انت اجمل يا مجنونة

يا ليتني كنت طائرا بجناحين اجوب العالم باسره أرى الأرض من فوق اطير عاليا عاليا (تضحك من أعماق قلبها)

هي الطفلة الشغوفة التي يتراقص قلبها على إيقاعات الطبيعة يسعدها كل شيء وابسط الأشياء يدخل السرور لقلبها الصغير

رغم انها كانت محاطة بعناية اختها الكبرى التي تحيط حولها عيون الحماية، الا انها كانت تخاف من المجهول و تتهرب من الغرباء.

يتيمة الاب واخوها سندها يعاملها كطفلة وعمرها الثمانية عشر سنة أمها سيدة حازمة تجيد فن الحديث لبقة انيقة بعد وفاة رب الاسرة كرست حياتها لأولادها كانت مقولتها الشهيرة لا يأتي الله الا بخير.

صباح احد الأيام الصيفية وبينما الهدوء يعم كل ركن في القرية استيقظت بطلتنا على رائحة الخبز (البطبوط) الذي تعده أمها  قبلت يد أمها وجلست تنظر اليها باستطلاع

امي

نعععم

رايت حلما غريبا

خير وسلام

رأيت وكأني في الحقل اقطف بعض الازهار ووجدت وسط الازهار خاتما من دهب فرحت به واحببت شكله وضعته في إصبعي وكان على مقاسي

يا سلام

ماذا يا امي؟

ستتزوجين قريبا يا حبيبتي

لا يا امي انتظري لم اكمل الحلم بعد....

ضمت الام ابنتها وهي تكاد تطير من الفرح كأن الحلم حقيقة فعلا

امي اسمعيني فقط

ابنتي أصبحت عروس يا الله (تزغرد وتصلي على النبي) صل والسلام على رسول الله لا جاه الا جاه سيدنا محمد الله مع الجاه العلي روروروريي

احمرت الفتاة خجلا و لكنها مصرة على ان تخبر أمها بقيت الحلم امام إصرارها استيقظت اختها على اقاع زغردت أمها

ما بكما هل لدينا عرس ام ربحنا حجة

اختك ستتزوج

جاء راعي جديد ياخذها مع المعزات

اصمتي يا حمقاء ستتزوج ان شاء الله حلمت انها وجدت خاتما من دهب

ماذا؟ كل هذه الزغاريد من اجل حلم وايقظتماني من النوم من اجل حلم

امك من حلم زغردت. في الحلم القادم ستعزم الجيران

 اذهبا و نظفا غرفة الضيوف لأبخرها بالعود هيا بسرعة

امي كان حلما فقط اقسم لك

احلامك دائما تتحقق هيا انهضي

امي دعيني فقط اكمل لك الحلم

لا تضيع الوقت يا فتاة

قامت الفتاتان لأعمال البيت وتنظيف غرفة الضيوف وكأن الحلم فعلا حقيقة

هذا الشقاء كله من اجل حلم. قالت اختها وهي تعظ على قبضتها

يا ليتني لم اخبر امي وحتى انها لم ترد ان تسمع نهاية الحلم

ستقضيان اليوم في الحديث حتى نتفاجأ بالخطاب امامنا اسرعا

امي لماذا كل هذا

اكملا التنظيف بسرعة لنذهب للحمام لقد حضرت لنا وصفات رائعة تزد الجمال و تصفي البشرة

امي ارجوك كفي عن تصديق أحلام هذه المجنونة

جننت فعلا حين اخبرت امي بحلمي

بعد يومين أتت خالت الفتاة من الخارج لتزورهم وكان معها ابن زوجها شاب في الثلاثينات من عمره وسيم ولبق وهندمه مرتب وكل شيء فيه يوحي انه انسان واعي ومتحضر ومثقف يشتغل طبيب أطفال خارج البلاد.

اشتقنا لك يا خالتي .قالت الفتاة وهي تمد كاس الشاي مع طبق الحلوى  لخالتها تحت انظار الشاب الوسيم

وانا أيضا يا عزيزتي اشتقت لكم

اين اخوكم؟

سياتي بعد قليل من العمل

متى تبدأ عطلته ( الخالة)

غدا يا خالتي اول أيام العطلة ( الأخت الكبرى)

بين حديث وصمت كانت اعيون الاختين تتصفح الشاب بخجل  والشاب يرمقهما بنظرات وابتسامة مغلفة بالفضول والاستطلاع

السلام عليكم اهلا خالتي الحبيبة (الأخ وهو يضع حقيبته على الأرض ويتقدم بكل جسده نحو خالته) اشتقت لك يا غالية

عليكم السلام يا عمري وهي ترتمي في حضنه بكل حب .

عناق حار امام اعين تترقب بود

هذا حسن ابني الثاني يا عمر. تشير الى ابن زوجها .

كان عمر مرتبط بخالته كثيرا في صغره لدرجة كان ينادها امي تزوجت وسافرت مع زوجها للخارج وعمر ابن السادس عشرة سنة كبر عمر واصبح أستاذ محاضرا بالجامعة  وبقيت علاقته بخالته وطيدة جدا.

اهلا بك اخي حسن أصبحت شابا منذ رايتك اخر مرة.

اهلا بك اخي عمر. انت أيضا أصبحت رجلا عملاقا

بعد يوم وليلة تحدث فيه الكل عن كل شيء وعن أي شيء حتى عن دجاج الجارة و الفلفل والحمارة وعن طرائف الخالة وعن كل اطراف العالم و ذكريات الامس و أحلام الغد

امي لماذا لم تدعيني اكمل لك حلمي ذاك النهار

لا يهم يا عروسة فالحلم تفسر

كيف تفسر؟

يا بنت خالتك قبل ان تغادر طلبت مني امر

ماذا هناك يا امي؟

خالتك تحقق لك حلمك يا فتاة. طلبتك لابن زوجها حسن

امي لا تمزحي معي

حسن شاب فيه كل المواصفات التي تتمناها كل بنت، وسيأخذك للعيش معه في باريس  مبارك عليك يا اختي

تمزحين

اقسم انه شاب وسيم ولبق

تزوجيه انت

لكنه خطبك انت

لا اريده

ما رايك في جنون ابنتك يا امي

دلال بنات يا حبيبتي

انا لا اتدلل

فكري يا بنتي على مهلك هذا زواج

فكرت و لا اريد الزواج الان

ستاتي خالتك مع حسن واخوالك وبعض نساء العائلة وفقيه المسجد لخطبتك يوم الخميس

حسمت الام الامر ولم تترك للفتاة أي وقت للتفكير او التعبير حتى، الفتاة اعجبت بالفعل بحسن لطالم حلمت بباريس وانواره وعطور باريس و موضة باريس ولكنها تخشى كباقي البنات من الغربة والعيش بعيدا عن اهلها.

تزوجت بطلتنا بحسن واخذها معه خارج البلاد لتعيش مع زوجها في عش الزوجية الذي بناه لها ورتبه على ذوقه بكل التفاصيل.

كانت بطلتنا منبهرة بالحياة الجديدة وسعيدة بالعالم الجديد الذي حملها على جناحي طائرة ليحقق لها حلم الطيران والنظر من اعلى الأرض الى انوار باريس البراقة.

زوجة في بيت رجل جمعتها به الاقدار طبيب أطفال مثقف وقارئ للكتب يقضي معظم وقته بين العيادة والمستشفى او في مكتبه بين الكتب والأبحاث انسان مسالم يعيش الحياة وهو يقيس النبضات.

بطلتنا متعلمة وقارئة للكتب والروايات مثقفة ولها رصيد معرفي لابأس به

ذات صباح وكباقي الأيام استيقظت الزوجة واعدت فطورا شهيا لزوجها الحبيب وعلى مائدة الإفطار طلبت من زوجها ان يضع في برنامجه مساء السبت للعشاء معا خارج البيت وكانت اول مرة تطلب منه طلبا بعد شهرين من الزواج

فأجابها:

ان شاء الله سأخذك الى مكان جميل

خذني لأرى انوار باريس ليلا  

انوار باريس؟ من الحمار لطائرة. قالها وهو يبتسم بسخرية وحمل حقيبته ومفاتحه وغادر

تركها تهرب من افكارها كي لا تظن به سوء وانشغلت بأعمال التنظيف والطهي وبعد الظهر انغمست في قراءة بعض الروايات.

مساء السبت والساعة شرفت على الثانية عشر، دخل الزوج البيت ليجدها بكامل اناقتها تنتظر بلا جدوة ذاك الذي وعدها بسهرة تحت انوار باريس

لازلت مستيقظة .متجاهلا مظهرها الانيق المرتب هاربا من نظرات العتاب بين رموشها

اتسلى بمشاهدة انوار باريس من خلف التلفاز . ململمة خيبتها قابضة بكبرياء على جرحها.

تصبحين على خير اذا

مضى الى غرفته تاركا ورأه نظرات الحيرة والخيبة على مشاعر يأس وصدمة شيء يشبه شرب ماء مثلج على حساء الهب اللسان .

استيقظت كعادتها لتعد الفطور لزوجها واستقبلته بعد استيقاظه بابتسامتها البريئة

اعددت لك فطورك المفضل

خارج من المنزل وهو يقول

لا تنتظريني للعشاء الليلة فانا سأسافر لعدت أيام

زلزال حرك الأرض والجدران من حولها جعلها تدور حول نفسها للحظات

انهارت الفتاة بالبكاء و الرغبة في الصراخ وضعت يدها على فمها كي لا يسمع من في الشارع صرخة قلبها تلتفت يمينا وشمالا وكأنها غريق يبحث عن مقشة ليستنجد بها.

لا احد يعلم عمق جرح الحبيب اذا تجاهله محبوبه بقسوة وبلا سبب غير من جرب الوضع.

ثلاث ايام في البيت وحدها بين النوم في  الفراش والوقوف في الشرفة او النظر الى التلفاز وفي كل الأوقات اتصالات ومحادثات هاتفية مع عمر واختها وامها تتظاهر بالسعادة لكن الاهل يشعرون دائما بأبنائهم في كل الأحوال .

هل انت بخير يا اختي ؟ يسال عمر

بخير يا أخي فقط اشتاق اليكم

تتهرب من اسألتهم بسؤالها عنهم كي لا تسقط الدموع بعفويتها

كيف يتغير الانسان بسرعة من انسانة حساسة لا تجيد مدارات مشاعرها الى ممثلة بارعة تمثل دور الزوجة السعيدة التي يغدقها زوجها حبا وحنانا

انها الحياة تجعلك تتعلم كيف تتحكم بمشاعرك او تفقد عقلك بعد اول صدمة

بمرور الأيام وبعد العديد من الصدمات وجدت بطلتنا نفسها تبحث عن سبب تغير زوجها عنها وما سبب اللا مبالاة و قلة الاهتمام الصادر منه في كل مرة كانت تلوم نفسها انها لم تحسن معاملته او انها قصرت في وجباتها تجاهه وكانت تحاول القراءة والبحث وتحاول التطور والاهتمام الزائد بنفسها وبمظهرها لدرجة قامت بقص ضفائرها الحريرية عله يلاحظ او يعجبه المظهر الجديد لكن صدمتها كانت فعلا قوية

استقبلته مساء بفستان ازرق مثير يحاكي سمار بشرتها وحمرة شفاه تنطق معاني الحب الملتهبة وقصة شعرها الأسود الفحمي الذي يلهم شموع الطاولة المرتبة بأصناف الطعام المعد بالحب والمودة وابتسامة تروي الصحراء القاحلة وعطر من عنبر وياسمين يهز اوثار الشيب ولو بعد حروب طاحنة وعين تكحلت ببريق إصرار يرعد في قلوب خاشعة.

مساء الخير يقولها وهو يجر حقيبته وراه وكأنه يسلم على حارس امن بباب المستشفى

م س ا ء ا ل خ ي ر قالتها وهي تجتر الحروف من صدمتها ودخل مكتبه وصد الباب ورائه

حملت سكين لتقشير تفاحة لتأكلها وهي تجلس على الطاولة التي ظلت طوال النهار تحدد تفاصيلها ليخترق السكين راحة يدها عله ينفس عنها اختناق أوردتها ليسيل دمها الحار ليختلط بحمرة شراشيف الطاولة زاد الألم الما و توجعت باه قالتها وهي تجمع بها الالمين معا لتدوي جدران الغرفة تضامنا معها وتأن لأنينها لكن الطبيب كان منشغلا بأبحاثه لم يعر اهتماما لالمها عضت على شفتيها وهي ترقب باب المكتب عله يخرج لكن لا ظل يطل ولا صوت يسمع

ضغطت على راحتها واتجهت نحو مكتبه وهي تقول له

الست طبيبا؟

رمقها بعين واحدة من تحت النظارة

اعتقد ذلك

جرحت يدي لتو ... توقفت الكلمات في حلقها

دعيني أرى ...نظر من بعيد لم يمسك يدها حتى

ماذا فعلتي يا مجنونة ؟

 صرخ في وجهها و امسك بها واجلسها على الكرسي امامه ودهب بسرعة يبحث عن حقيبته

عاد ومعه معدات الخيطة ومعقم وادوية وهي جالسة ممسكة يدها وكانها تمسك قطعة قماش امام خياط نسائي

سأخيط الجرح انه عميق الحمد لله انه لم يقطع عصب اليد، ستتألمين قليلا عليك ان تتحملي

نظرت اليه وعلى وجهها نظرة تلخص كل شيء وكأنها تقول له ليتك ترى الألم الذي سببته

يخيط جرحها وهو يتقن عمله امام استغرابه لصبرها وتحملها لوخزات الابرة التي تخترق جلدها بلا مخدر او مسكن

يا لك من قوية

سحبت يده من بين يدييه قبل ان يتم تلفيف الضمادة

شكرا لانك هنا أيها الطبيب

اكنت تنتحرين

من ينتحر لا يبحث عن طبيب لينقده

رمته بعيون تاقبة تشق الجبل ومضت

ما هذه المرأة

لأول مرة يرى زوجته بهذه القوة اعتادها دائما امراة خجولة مطيعة لا تحرك ساكنة

ظلت صورتها وهي تجر يدها من يده بفستانها الأزرق الشفاف الذي افسده دم يدها بطهره عالقة في دهنه وظل يتقلب في فراشه وكانه يتهرب من كوابيس مرعبة.

استيقظ مبكرا وتركها في سريرها تغث في نومها بعد ليلة فقدت فيها دماء و اوصال من قلبها

استيقظت بعده لتجد نفسها مجددا تانس الجدران

لم يسأل عن يدها ولا عن حالها حتى وظلت عيناها واذناها تنتظر اتصاله. بلا جدوة

لو كنت كلبا ضالا مجرابا لسأل عني ...

اتى المساء ولم يأتي الزوج ولم يتصل

تأخر الوقت والطبيب الموقر لم يصل بعد ولم يتصل. لماذا اسأل عنه يا ربي لو لم أكن في غربة فقط

دخلت مكتبه واخذت تبحث عن الضمادات لتغير على الجرح وهي تبحث وجدت صورة له وهو يتوسط طفلين بنت في الثالثة من عمرها ترتدي فستان وردي وشعرها اشقر يكاد يغطي وجهها ورضيع تحمله امرأة شقراء تنطق الصورة بجمالها تلتف.

هذا زوجي انه هو يعانقهم بيديه وعلى وجهه ابتسامة لم اراه على وجهه ابدا

دخل هو على غفلة ووجدها تحمل الصورة بين يديها

انها زوجتي الأولى واولادي. أجاب قبل ان تسأله

اخذ كتبا له وخرج امام عينيها وهي في ذهول. وظلت جملته تتردد في اذانها حتى ايقظها صوت محرك السيارة وهو يغادر الشارع

تجمدت في مكانها ولم تعلم ماذا تصنع هذه المرة لم تمنع صرختها من الخروج ولا دموعها من الانهمار لتروي تقاسم واجهها انهارت الفرسة ووقعت ارضا ليتكسر القلب النقي الى ملايين الشظايا....

لماذا لم تسمعي يا امي تكملت حلمي؟ يا امي الخاتم تكسر في اصبعي. .......

هل ناسب الاسم الذي اخترته القصة؟

هي مجرد قصة ولكن ابطالها بجوارنا لا نحس بهم وربما نكون نحن او احد احب الناس لقلوبنا وربما نكون نحن من تسببنا في كسر بلورات قلوب من احبونا.

هي قصة لمصير احدى القوارير التي وضعت على حافة مكان والتي تكفل الزمان بتشتيت جزيئاتها، ولكن رب مكان وزمن اتحدى ولملم ما بقي من معالمها او حتى صنع منها مزهريات تصلح لرثاء ازهار ملونة.
تعليقات