سورة الكهف: قصص وعبر



سورة الكهف: قصص وعبر

سورة الكهف قصص وعبر

سورة الكهف: قصص وعبر




قراءة سورة الكهف يوم الجمعة لها فضل كبير في الإسلام، وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى أهمية قراءتها في هذا اليوم. إليك بعض الأسباب والفوائد:

1- النور ما بين الجمعتين:

 جاء في الحديث عن النبي محمد ﷺ أنه قال: "من قرأ سورة الكهف في يوم الجمعة أضاء له من النور ما بين الجمعتين". هذا يعني أن قراءة السورة تمنح المؤمن نورًا يضيء له الطريق ويحميه من الظلمات.


 2- الحماية من الفتن:

 سورة الكهف تحتوي على قصص تحمل دروسًا عظيمة تتعلق بالصبر، والتوكل على الله، وتجنب الفتن. من خلال قراءتها، يذكر المسلم نفسه بهذه الدروس ويحمي نفسه من الوقوع في الفتن.

 3- التأمل في قدرة الله:

 السورة تتناول قصصًا مثل قصة أصحاب الكهف، وقصة موسى مع الخضر، وقصة ذو القرنين. هذه القصص تحمل في طياتها تأملات في قدرة الله وعظمته، مما يعزز الإيمان ويقوي الصلة بالله.


 4- اتباع السنة النبوية:

 قراءة سورة الكهف يوم الجمعة تعتبر من السنن التي واظب عليها النبي ﷺ، وبالتالي فإن اتباعها يحقق للمسلم أجرًا إضافيًا في التمسك بسنة النبي.

لذلك، قراءة سورة الكهف يوم الجمعة هي عادة مستحبة تجلب البركة والنور والحماية للمسلم.

قصص سورة الكهف:


1 - قصة أصحاب الكهف:

هي إحدى القصص العظيمة التي وردت في سورة الكهف (الآيات 9-26). تحكي القصة عن مجموعة من الفتيان المؤمنين الذين فروا بدينهم من بطش ملك ظالم، ولجأوا إلى كهف لحماية أنفسهم. هناك، حدثت معجزة عظيمة حيث ناموا في الكهف لعدة قرون، ثم استيقظوا وهم لا يدركون الزمن الطويل الذي مر عليهم. تحمل القصة العديد من الدروس حول الإيمان بالله، الثبات على الحق، واليقين في قدرة الله.

  • إيمان الفتية: كان هؤلاء الفتيان يعيشون في مدينة يحكمها ملك ظالم يفرض عبادة الأصنام على الناس، ولكنهم رفضوا الانصياع لعبادته واختاروا الإيمان بالله الواحد. قال الله عنهم: "إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى" (الكهف: 13).


  • اللجوء إلى الكهف: هرب الفتية من بطش الملك الظالم إلى كهف بعيد لحماية إيمانهم. هناك دعوا الله أن يرحمهم ويوفقهم فيما هم مقدمون عليه، وقالوا: "رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا" (الكهف: 10).

  • معجزة النوم الطويل: استجاب الله لدعائهم وألقى عليهم النوم في الكهف لعدة قرون دون أن يشعروا بالزمن. قال الله: "فَضَرَبْنَا عَلَىٰٓ ءَاذَانِهِمْ فِى ٱلْكَهْفِ سِنِينَ عَدَدًۭا" (الكهف: 11). خلال هذه الفترة، كانت الشمس تشرق وتميل بعيدًا عنهم كي لا تحرق أجسادهم، وكان الله يحفظهم حتى لا تتغير هيئتهم. قال الله: "وَتَرَى ٱلشَّمْسَ إِذَا طَلَعَت تَّزَٰوَرُ عَن كَهْفِهِمْ ذَاتَ ٱلْيَمِينِ وَإِذَا غَرَبَت تَّقْرِضُهُمْ ذَاتَ ٱلشِّمَالِ" (الكهف: 17).

  • استيقاظ الفتية: بعد مرور 309 سنوات، أذن الله للفتية أن يستيقظوا. ظنوا أنهم ناموا فقط يومًا أو بعض يوم. شعروا بالجوع، فأرسلوا أحدهم إلى المدينة لشراء الطعام، لكنهم وجدوا أن المدينة قد تغيرت وأن الدين الحق قد انتشر فيها. قال الله: "وَكَذَٰلِكَ بَعَثْنَـٰهُمْ لِيَتَسَآءَلُوا۟ بَيْنَهُمْ ۚ قَالَ قَآئِلٌۭ مِّنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ ۖ قَالُوا۟ لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍۢ" (الكهف: 19).


  • التغير في الزمن والمجتمع: عندما ذهب الفتى إلى المدينة ليشتري الطعام، اكتشف أن العملة التي كان يحملها قديمة للغاية، مما أثار دهشة الناس. أدركوا أن هؤلاء الفتية هم معجزة من الله، وأن قصتهم دليل على قدرة الله على إحياء الموتى. قال الله: "وَكَذَٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوٓا۟ أَنَّ وَعْدَ ٱللَّهِ حَقٌّۭ وَأَنَّ ٱلسَّاعَةَ لَا رَيْبَ فِيهَا" (الكهف: 21).



  • وفاة الفتية: بعد أن انتشر خبر الفتية، قرر الناس أن يبنوا مسجدًا على مدخل الكهف تخليدًا لذكراهم، وبهذا انتهت حياتهم على الأرض وهم في طاعة وإيمان.
نتعلم من هذه القصة كل مرة نقرأها عدة أشياء منها:

الثبات على الإيمان: القصة تعلمنا أهمية الثبات على الحق حتى في وجه الظلم والاضطهاد. الفتية ضحوا بكل شيء من أجل الحفاظ على إيمانهم.

الثقة في قدرة الله: الله قادر على حفظ عباده المؤمنين من كل سوء، كما حفظ الفتية في الكهف لقرون دون أن يمسهم ضرر.

الابتعاد عن الفتن: الفتية لجأوا إلى الكهف للابتعاد عن فتنة الشرك، وهذا درس لنا بأن نبتعد عن الفتن لحماية إيماننا.

الحياة والموت بيد الله: القصة تؤكد قدرة الله على إحياء الموتى، وهو ما يظهر في حالة الفتية الذين ناموا لعدة قرون ثم استيقظوا كأنهم ناموا يومًا واحدًا.


قال الله تعالى في سورة الكهف (الآيات 9-26):

"
أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَـٰبَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُوا۟ مِنْ ءَايَـٰتِنَا عَجَبًا -9- إِذْ أَوَى ٱلْفِتْيَةُ إِلَى ٱلْكَهْفِ فَقَالُوا۟ رَبَّنَآ ءَاتِنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةًۭ وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًۭا -10-"



 2- قصة صاحب الجنتين:


وردت في سورة الكهف، وهي تحمل دروسًا عميقة عن شكر النعم والتواضع وعدم الغرور بما أعطاه الله من خير. القصة تتناول شخصين: أحدهما كان غنيًا يمتلك جنتين (بستانين) زاخرتين بالخيرات، والآخر فقير. وقد بينت الآيات التباين بينهما في التصرفات والإيمان.

كان لأحد الرجلين جنتان من الكروم محاطة بالنخيل وبها زروع وأشجار مثمرة ومياه غزيرة. كان الرجل الغني مغرورًا بنعم الله، فكان يظن أن ثروته لن تزول أبدًا، بل كان يشك حتى في قيام الساعة والحساب، قائلًا إن كان هناك بعث فإنه سيعود بأفضل حال مما هو عليه الآن. وفي المقابل، كان الرجل الآخر فقيرًا ولكنه مؤمن بالله ويعتمد عليه، وكان يحاول نصح الغني بالتواضع وشكر الله.

قال الفقير للغني: "لولا إذ دخلت جنتك قلت ما شاء الله لا قوة إلا بالله" (الكهف: 39)، مذكرًا إياه بأن كل ما يملكه هو من فضل الله وليس من قوته الشخصية.

ولكن الغني لم يستجب للنصح واستمر في غروره، فأنزل الله عليه عقوبة بأن دمر جنته، ففقد كل ثروته وجنته التي كان يفتخر بها.

تعلمنا هذه القصة في كل مرة نقرأ فيها سورة الكهف:

شكر الله على النعم: النعم التي يحصل عليها الإنسان، سواء كانت مادية أو غير ذلك، هي من عند الله، ويجب شكرها بالتواضع والاعتراف بفضل الله.

التواضع: الغنى والثروة لا يجب أن تجعل الإنسان متكبرًا أو مغرورًا، لأن ما عنده قد يزول في أي لحظة.

الإيمان بالله والآخرة: الشك في الآخرة والحساب يوقع الإنسان في الغرور، بينما الإيمان بالبعث يجعل الإنسان حريصًا على الطاعة وشكر الله.

عدم الاعتماد على الدنيا: الدنيا زائلة وما فيها من متاع، وقد يُبتلى الإنسان بزوال النعمة في أي وقت، لذا عليه أن يكون مستعدًا ويعتمد على الله.

قال سبحانه في سورة الكهف (الآيات 32-44):

"
وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلًا رَّجُلَيْنِ جَعَلْنَا لِأَحَدِهِمَا جَنَّتَيْنِ مِنْ أَعْنَابٍۢ وَحَفَفْنَـٰهُمَا بِنَخْلٍۢ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمَا زَرْعًا -32 -كِلْتَا ٱلْجَنَّتَيْنِ ءَاتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِم مِّنْهُ شَيْـًۭٔا وَفَجَّرْنَا خِلَـٰلَهُمَا نَهَرًۭا- 33- وَكَانَ لَهُۥ ثَمَرٌۭ فَقَالَ لِصَـٰحِبِهِۦ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَنَا۠ أَكْثَرُ مِنكَ مَالًۭا وَأَعَزُّ نَفَرًۭا- 34- وَدَخَلَ جَنَّتَهُۥ وَهُوَ ظَالِمٌۭ لِّنَفْسِهِۦ قَالَ مَآ أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَـٰذِهِۦٓ أَبَدًۭا -35 -وَمَآ أَظُنُّ ٱلسَّاعَةَ قَآئِمَةًۭ وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَىٰ رَبِّى لَأَجِدَنَّ خَيْرًۭا مِّنْهَا مُنقَلَبًا -36 -قَالَ لَهُۥ صَاحِبُهُۥ وَهُوَ يُحَاوِرُهُۥٓ أَكَفَرْتَ بِٱلَّذِى خَلَقَكَ مِن تُرَابٍۢ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍۢ ثُمَّ سَوَّىٰكَ رجُلًۭا- 37- لَّـٰكِنَّا۠ هُوَ ٱللَّهُ رَبِّى وَلَآ أُشْرِكُ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا -38 -وَلَوْلَآ إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَآءَ ٱللَّهُ لَا قُوَّةَ إِلَّا بِٱللَّهِ إِن تَرَنِ أَنَا۠ أَقَلَّ مِنكَ مَالًۭا وَوَلَدًا -39 -فَعَسَىٰ رَبِّىٓ أَن يُؤْتِيَنِ خَيْرًۭا مِّن جَنَّتِكَ وَيُرْسِلَ عَلَيْهَا حُسْبَانًۭا مِّنَ ٱلسَّمَآءِ فَتُصْبِحَ صَعِيدًۭا زَلَقًا- 40 -أَوْ يُصْبِحَ مَآؤُهَا غَوْرًۭا فَلَن تَسْتَطِيعَ لَهُۥ طَلَبًا- 41 -وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِۦ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَىٰ مَآ أَنفَقَ فِيهَا وَهِىَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا وَيَقُولُ يَـٰلَيْتَنِى لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّىٓ أَحَدًۭا- 42- وَلَمْ تَكُن لَّهُۥ فِئَةٌۭ يَنصُرُونَهُۥ مِن دُونِ ٱللَّهِ وَمَا كَانَ مُنتَصِرًا -43 -هُنَالِكَ ٱلْوَلَـٰيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ ۖ هُوَ خَيْرٌۭ ثَوَابًۭا وَخَيْرٌ عُقْبًۭا 44"


3- قصة موسى والخضر


وردت في سورة الكهف (الآيات 60-82)، وتحمل الكثير من الدروس حول الحكمة الإلهية والصبر والتواضع في طلب العلم. القصة تركز على لقاء النبي موسى عليه السلام بالخضر، وهو عبد صالح آتاه الله علمًا وحكمة لا يعرفها موسى، لتوضيح أن هناك أمورًا في الحياة قد لا نراها واضحة، ولكن الله يعلم الحكم من ورائها.

  • طلب العلم: تبدأ القصة حين أراد النبي موسى عليه السلام البحث عن عبد صالح عند ملتقى البحرين (وهو الخضر) ليتعلم منه. قال موسى: "لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبًا" (الكهف: 60)، مؤكدًا عزمه وإصراره على مواصلة البحث عن العلم.

  • لقاء موسى بالخضر: عندما التقى موسى بالخضر، طلب منه موسى أن يعلمه مما علَّمه الله. وافق الخضر بشرط أن يصبر موسى على ما سيراه، وألا يسأله عن شيء حتى يخبره هو بتفسير ما يحدث. وقال له الخضر: "إنك لن تستطيع معي صبرًا" (الكهف: 67).

  • الأحداث الثلاثة: انطلقا معًا وحدثت ثلاثة مواقف غريبة على موسى:
خرق السفينة: أول عمل قام به الخضر هو خرق سفينة كانوا قد ركبوا عليها، مما أثار استغراب موسى الذي قال: "أخرقتها لتغرق أهلها؟ لقد جئت شيئًا إمرا" (الكهف: 71). فرد عليه الخضر بأنه قال له إنه لن يستطيع الصبر.

قتل الغلام: بعد ذلك، قام الخضر بقتل غلام صغير، فزاد استغراب موسى وقال: "أقتلت نفسًا زكية بغير نفس؟ لقد جئت شيئًا نكرًا" (الكهف: 74).

إقامة الجدار: أخيرًا، وصلا إلى قرية كان أهلها بخلاء ولم يستضيفوهما، ورغم ذلك قام الخضر ببناء جدار كان آيلاً للسقوط دون أن يطلب أجرًا، فأثار ذلك حيرة موسى الذي قال: "لو شئت لاتخذت عليه أجرًا" (الكهف: 77).

  • التفسيرات والحكمة: بعد أن انتهت المواقف الثلاثة، أوضح الخضر لموسى حكمته في كل فعل:
خرق السفينة: كان هناك ملك ظالم يأخذ كل سفينة صالحة بالقوة، فخرق الخضر السفينة لحمايتها من المصادرة.

قتل الغلام: كان الغلام سيصبح فاسدًا ويعذب والديه المؤمنين، فقتله الخضر رحمةً بهما، وسيبدلهما الله بولد صالح.

إقامة الجدار: كان الجدار يحمي كنزًا لغلامين يتيمين في المدينة، وكان والدهما صالحًا، فأقام الخضر الجدار ليحفظ الكنز لهما حتى يكبرا.

هذه القصة وكغيرها من القصص التي وردت في سورة الكهف دليل اخر على عظمة الواحد الاحد حيث يستفاذ منها عبر عديدة منها:

الحكمة الإلهية: الأمور التي تحدث في الحياة قد تبدو لنا غير مفهومة أو ظالمة، ولكن الله لديه الحكمة الكاملة في كل شيء. ما قد نعتبره شرًا قد يكون في الواقع خيرًا.

الصبر: يجب على الإنسان أن يصبر على ما لا يفهمه، ويثق في أن الله يعلم ما هو أفضل له.

التواضع في طلب العلم: القصة تعلمنا أن حتى الأنبياء، مثل موسى عليه السلام، يسعون لطلب العلم ويعترفون بأن هناك أمورًا لا يعرفونها.

الثقة في مشيئة الله: يجب على المؤمن أن يثق أن الله يختار له الخير حتى في الأحداث التي لا يستطيع تفسيرها.

سورة الكهف (الآيات 60-82):

"
فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا رَكِبَا فِى ٱلسَّفِينَةِ خَرَقَهَاۖ قَالَ أَخَرَقتَهَا لِتُغرِقَ أَهلَهَا لَقَد جِئتَ شَيـًٔا إِمرًۭا 71 قَالَ أَلَم أَقُل إِنَّكَ لَن تَستَطِيعَ مَعِىَ صَبرًۭا 72 قَالَ لَا تُؤَاخِذنِى بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرهِقنِى مِن أَمرِى عُسرًۭا 73 فَٱنطَلَقَا حَتَّىٰٓ إِذَا لَقِيَا غُلَـٰمًۭا فَقَتَلَهُۥ قَالَ أَقَتَلتَ نَفسًۭا زَكِيَّةًۢ بِغَيرِ نَفسٍۢ لَّقَد جِئتَ شَيـًۭٔا نُكرًۭا 74"



4- قصة ذو القرنين

قصة ذو القرنين هي إحدى القصص العظيمة التي وردت في سورة الكهف (الآيات 83-98). تحكي القصة عن ملك صالح وقوي عرف باسم "ذو القرنين"، وقد مكنه الله في الأرض وأعطاه القوة والعلم ليحكم بالعدل وينشر الخير. القصة تتناول ثلاث رحلات قام بها ذو القرنين إلى أماكن بعيدة شرقًا وغربًا وشمالًا، وفي كل رحلة واجه أقوامًا مختلفين وتعامل معهم بحكمة وعدل.

  • ذو القرنين ملك صالح وعادل: تبدأ القصة بإخبار الله لنبيه محمد ﷺ عن ذو القرنين. فقد كان ذو القرنين ملكًا مُمكَّنًا في الأرض، وكانت له قدرة عظيمة وقوة، قال الله: "إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِن كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا" (الكهف: 84). أي أن الله أعطاه الأسباب التي تمكنه من التصرف بقوة وعلم في كل الأمور.


الرحلة الأولى: جهة الغرب: انطلق ذو القرنين غربًا حتى وصل إلى مكان تغرب فيه الشمس، حيث وجد قومًا يعيشون في منطقة قريبة من بحيرة أو بحر. قال الله: "حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا" (الكهف: 86). هناك أعطاه الله الخيار بين أن يعاقبهم أو يحسن إليهم، فاختار ذو القرنين أن يحسن لمن آمن منهم ويعاقب من ظلم واعتدى.

الرحلة الثانية: جهة الشرق: بعد ذلك، اتجه ذو القرنين شرقًا حتى وصل إلى مكان تشرق فيه الشمس على قوم لم يكونوا يملكون أي وسائل للحماية من الشمس (لا بيوت ولا مظلات). قال الله: "حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَىٰ قَوْمٍۢ لَّمْ نَجْعَل لَّهُم مِّن دُونِهَا سِتْرًۭا" (الكهف: 90). لم يذكر القرآن تفاصيل كثيرة عن هذا القوم، ولكن يبدو أن ذو القرنين تعامل معهم بحكمة ولم يؤذهم.

الرحلة الثالثة: بين السدين: ثم اتجه ذو القرنين في رحلته الثالثة نحو الشمال، حتى وصل إلى منطقة بين جبلين (السدين) حيث وجد قومًا ضعفاء يطلبون مساعدته. هؤلاء القوم كانوا يعانون من فساد واعتداء قوم آخرين معروفين باسم "يأجوج ومأجوج". قالوا له: "يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِى ٱلْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَىٰٓ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّۭا" (الكهف: 94).

ذو القرنين وافق على مساعدتهم لكنه لم يطلب منهم مالًا، بل طلب منهم أن يساعدوه في بناء سد قوي يمنع يأجوج ومأجوج من الاعتداء عليهم. استخدم ذو القرنين الحديد والنحاس المنصهر لبناء سد ضخم. قال الله: "فَمَا ٱسْطَـٰعُوٓا۟ أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا ٱسْتَطَـٰعُوا۟ لَهُۥ نَقْبًا" (الكهف: 97). وبهذا السد حمى ذو القرنين القوم من أذى يأجوج ومأجوج.

النهاية والحكمة: بعد أن بنى ذو القرنين السد، أكد أن هذا الإنجاز ليس بفضل قوته الشخصية فقط، بل بفضل الله. قال: "هَـٰذَا رَحْمَةٌۭ مِّن رَّبِّى فَإِذَا جَآءَ وَعْدُ رَبِّى جَعَلَهُۥ دَكَّاۖ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّى حَقًّۭا" (الكهف: 98). أي أنه عندما يشاء الله، سيتم تدمير هذا السد، وهو ما سيكون في نهاية الزمان عندما يظهر يأجوج ومأجوج مجددًا.

  • العدل في الحكم: ذو القرنين كان ملكًا عادلًا في حكمه. لم يكن يظلم الناس بل كان ينصف المؤمنين ويعاقب الظالمين.

  • الاعتماد على الله: رغم قوته وسلطته، كان ذو القرنين يعترف بأن كل ما يفعله هو بفضل الله، وليس بقدرته الذاتية.


  • استخدام القوة لخدمة الناس: ذو القرنين استخدم قوته وحكمته لحماية الناس ومساعدتهم، مثلما فعل مع القوم الذين طلبوا منه بناء السد.

  •  الحكمة في التعامل مع الناس: ذو القرنين كان حكيمًا في تعامله مع الأقوام المختلفة، سواء كانوا ضعفاء أو أقوياء، وكان ينظر دائمًا إلى مصالحهم ويعتمد على الحق.

سورة الكهف (الآيات 83-98):

"
وَيَسْـَٔلُونَكَ عَن ذِى ٱلْقَرْنَيْنِ ۖ قُلْ سَأَتْلُوا۟ عَلَيْكُم مِّنْهُ ذِكْرًا 83 إِنَّا مَكَّنَّا لَهُۥ فِى ٱلْأَرْضِ وَءَاتَيْنَـٰهُ مِن كُلِّ شَىْءٍۢ سَبَبًۭا 84 فَأَتْبَعَ سَبَبًا 85 حَتَّىٰٓ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ ٱلشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِى عَيْنٍ حَمِئَةٍۢ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْمًۭا ۗ قُلْنَا يَـٰذَا ٱلْقَرْنَيْنِ إِمَّآ أَن تُعَذِّبَ وَإِمَّآ أَن تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا 86 قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُۥ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَىٰ رَبِّهِۦ فَيُعَذِّبُهُۥ عَذَابًۭا نُّكْرًۭا 87"

سورة الكهف ليست مجرد سورة بل هي منهاجر يقتدي به كل مؤمن و مؤمنة 
نفعنا الله واياكم بعظمتها وجعلنا ممن يستمعون القول ويتبعون أحسنه، احبكم في الله.

تعليقات